محمد بن أحمد الفرغاني

37

منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض

وبعيد يخطفون أمتعة الناس وينهبونهم إنما هو بسبب أن كل من يكون من العلماء والأولياء وأرباب المكاشفات منشأ علمه وكشفه ومعرفته من دون تلك الحضرة التي هي حرم العلم الأزلي ، وذلك من عالم العقل إلى عوالم السماوات إلى سماء الدنيا وما بينهما مما هو محل حكم يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرّعد : الآية 39 ] ، فجميع بضائعه من العلوم والاستنباطات والمكاشفات الصورية كلّها في معرض الاحتجاب والارتياب والشبهات والتأويلات التي لا معول عليها ولا وثوق بها ولا كلة إليها . ونفسي بصومي عن سواي ، تفرّدا زكت ، وبفضل الفيض عنّي زكّت الصوم في الأصل هو الإمساك عن الفعل مطعما كان أو كلاما أو مشيا ، وفي الشرع هو الإمساك عن الأطيبين وعن الاستمناء نهارا مع النية ، وههنا هو الإمساك عن السوى وعن رؤيته ، والتفرّد هو الانقطاع عن كل ما يزدوج به وعن رؤيته ، وتفرّدا حال من فاعل زكت ، وعني يتعلق بالفائض الذي يفيض من فضل وجود بالوجود ، والفيض ههنا بمعنى الفائض . يقول : لما تحقّق سيري من حضرة جمع الجمع ومقام قاب قوسين إلى مقام أحدية الجمع وحضرة أو أدنى ظهرت نفسي بواسطة إمساكها عن رؤية شيء سوى نفسي ، وعن رؤية غير وغيرية بحكم مرتبتي ومقامي الذي هو أحدية الجمع حال انقطاعها عن رؤية كل مزدوجين والحكم بمغايرتهما وتميّزهما واختصاص كل واحد بأثر وعين ثابتة هذه الرؤية بحكم مرتبة جمع الجمع ، وزكت نفسي أيضا بفضل ما فاض عني من الوجود العام والهدي الخاص ، يعني أعطت الزكاة للمستحقّين المستعدّين عموما وخصوصا ، وشرعت الصوم والزكاة الظاهر لمتابعيها لأن يتخلّقوا بخلق أصلهم ويتشبّهوا به . وشفع وجودي في شهودي ظلّ في اتّ حادي ، وترا ، في تيقّظ غفوتي الغفوة : النومة الخفيفة التي لا تغيب عن الإحساس بما يحسّ به اليقظان ، وحرف في الأولى متعلقة بظل وترا ، والثانية بتيقّظ غفوتي ، والثالثة باتّحادي ، وتقديره : وشفع وجودي ظلّ وترا في شهودي الحاصل في وقت سقط غفوتي الواقع ذلك التيقّظ في حال اتّحادي .